استغل الفراغ المشحون بالقلق للولوج الى فضاءات خارج اللحظة غزة- الحياة الثقافية- سامي ابو عون الجميزة صديقة وفية للزمن الجميل مخلصة لعابري السبيل يستظلون تحت اغصانها الغائرة في القدم ، مفردات رواية (وجع أيوب ) مأخوذة من رائحة الليمون والبرتقال وأيضا من رائحة "العتيق" بمعنى الخل الوفي. اشياء من الوجع مخبوءة في ليل الخوف والمجهول الذي عايشها الروائي وهي عبارة عن صور مخزونة في أرشيف ذاكرته ، لكنه تمرد على واقعه باكتشاف لبنته الأولى للكتابة. عندها بدأ يكتب بعض القصص حتى صقل رياضة العين ليبصر أشياء لم تكن على بال الكثير من أقرانه وحينها بدأت رحلة الكلام والإبداع للأديب محمد نصار . . هنا يبحث في خبايا العشب عن مفردات ودواء ليطهر جرح أيوب الصابر. متى اكتشفت موهبة الكتابة لديكم؟ كانت البواكير الاولى للموهبة في المرحلة الاعدادية حيث كنت أكتب بعض المحاولات القصصية واعرضها على المدرسين وألقى التشجيع منهم ثم في المرحلة الثانوية (مدرسة بئر السبع الثانوية ) كانت لي مشاركه في مسابقه مدرسية تقدمت فيها بقصه حازت على المرتبة الاولى وكان للجائزة اثر بالغ في نفسي رغم تواضعي المادي الامر الذي حفزني لمواصلة القراءة والاطلاع حيث انها كانت الوسيلة الوحيدة تقريبا لاكتساب معارف جديدة وفي ذات الوقت نافذه للاطلاع على العالم من حولنا خصوصا اننا في وضع احتلال يكاد يحاسبنا على الانفاس التي نزفر بها ثم بدأت الكتابة تأخذ منحى مختلفا لتصبح شيئا من كينونتي وهما يتلبسني في كل حين ليرى النور بعدها عملي الاول ممثلا في رواية (رحلة العذاب) التي صدرت عام 1987 اسرد فيها ومن خلالها حياة العمال الذين كانوا في حينه يمثلون الشريحة الاوسع في المجتمع نتيجة لإجراءات الاحتلال التي ارادت لنا ان نكون شعبا من العبيد فقط جاءت بعدها مجموعتي القصصية "القيظ "عام 1991 تحكي ظروف الانتفاضة والمعاناة التي عشناها في تلك السنين، وعام 1994 صدرت روايتي الثانية ( صرخات) حاملة في طياتها معاناة الاسير الفلسطيني ولعلها كانت الاولى في معالجة هذا الموضوع وطرحه للنقاش حيث تناولت تفاصيل حياة الاسير ومعاناته بكل تفاصيلها لتصبح بعد ذلك فيلما سينمائيا بعنوان (نزيف القلب) تم عرضه عام 2000 في قاعات قطاع غزة كافة. وفي عام 1996 اصدرت مجموعتي القصصية ( في صحبة الشيطان ) التي تم تحويل احدى قصصها ( الفيلسوف والصرصار ) فيلما صامتا قصيرا بعنوان ( الشارع ) تلاها صدور روايتي (احلام ) في عام 1997 و ( العشاء الاخير ) 1999. تتبعها صدور روايتي ( تجليات الروح ) في عام 2003 ثم الثلاثية الروائية صفحات من سيرة مبروكة 2009 ، كما اصدرت (صفحات من سيرة مبروكة _ سوق الدير _ ليل المخيم ) 2009 ، الى ان وصلت الى الاصدار الاخير وهو رواية وجع ايوب. ماذا يعنى لك ايوب ولماذا اخترت هذا الاسم للرواية .؟ ايوب هو رمز ومثال للمعاناة والالم والصبر على تقلبات الزمن ومصائبه ولعل الفلسطيني وتحديدا في غزة مثال حي لهذه الشخصية التي تعبر عن معاناة وجلد الجميع. فكل فلسطيني هو أيوب هذا الزمان الذي اختلت فيه الموازين والقيم، فغزة التي اصبحت جزيرة معزولة عن العالم وسجنا كبيرا يعاني فيه الناس الوان عذابات لا يتخيلها بشر ، لذلك اخترت هذا الاسم. ماذا تعنى شجرة الجميز للروائي محمد نصار .وهل هذه الشجرة مزروعة في مخيلتك من الصغر ؟ شجرة الجميز متجذرة في هذه الارض منذ الاف السنين وهي شجرة مباركة يعني تعطي من الثمار على مدار العام ، بعض الروايات تقول انها تحمل سبع مرات في العام وهي من الاشجار المنتشرة بكثرة في ربوع فلسطين بل لعلها تكون في كل قرية او مدينة، وربما تكون فلسطين هي البقعة الوحيدة في العالم التي تنتشر في ربوعها هذه الشجرة بشكل مختلف عن بقية بقاع الارض لذلك حين تذكر شجرة الجميز تستدعي معها صورة فلسطين . س / تحدثت في الرواية عن دور الام في عدة مواضيع، الام التي فقدت زوجها _ الام التي اعتقل ابنها _ الام التي عاشت مرارة الحرب الأخيرة _ عاشت الهجرة من قبل ومرّها _ حبذا لو توضح لنا هذه النقطة . لنقل ان المرأة الفلسطينية سواء كانت أما او اختا او زوجة فهي شريك حقيقي في المعاناة وفي الالم والامل ، هي التي تحمل بالدرجة الاولي هذا الوزر الملقى على عواتقنا جميعا في هذا الصراع الذي لا تظهر له نهاية لذلك كان حضورها في الادب الفلسطيني عموما حضورا طاغيا ومميزا لا تملقا ولا منا بل هو حضور اوجبته قدرتها على تحمل هذا الشقاء والتعامل معه بجلد وعناء قد يفوق ما يحتمله الرجال احيانا، فهي ام الشهيد واخته وزوجته والمشاركة بالفعل والدعم والعطاء بلا حدود في كل مناحي حياتنا سواء ما كان منها في جانب الصراع او انعكاساته الحياتية التي تطال كل شيء في وجودنا وتستهدفه هل هناك من وجه شبه بين رواية وجع ايوب وما سبق مما كتبته من اعمال خصوصا ان الوجه الطاغي على منجزاتنا الادبية هو الصراع مع المحتل .؟ لا شك ان طبيعة الصراع مع المحتل هي الرابط المشترك الذي يجمع الكثير من اعمالنا سواء في الرواية او القصة او الشعر، وهذه حالة فرضها الصراع على مجمل ما تم انجازه من اعمال دفع الكثير من جوانب حياتنا الاخرى الى الهامش بنحو قد يكون مغيبا وهذا يعد امرا سلبيا يجب الحذر منه واعادة الاهتمام بتلك الجوانب على نحو يعيد لتلك القضايا حضورها لان الادب لا يمكن ان يتعامل بوجه واحد مع الاشياء، لذلك وجدتني في هذه الرواية اغرد خارج السرب طارحا قضايا اقفلت على مدى سنين تحت ذريعة عدم كشف المستور ما ادى الى تراكمها حتى اصبحت عبئا او هما نعاني منه جميعا كيف ترى المشهد الثقافي الآن .؟ للأسف الشديد لست متفائلا فما يحدث عندنا وفى المنطقة من حولنا فهو لا يبشر بخير وان كنت اوجه اللوم بهذا الخصوص فلن اكتفي بالإشارة الى المثقف باعتباره متخاذلا او منهزما ولكني سأشير الى جهات اخرى تتحمل مسؤولية اولى ومباشرة عما يجري من ضياع او ضبابية الرؤية، فالثقافة لا تنبت من عدم اذ لابد من قوى عليا ترعى هذه البذرة وتنميها حتى تصل الى مرحلة العطاء، وهذا الامر كان سائدا في مرحلة ما من حياتنا وتحديدا في فترة ( بين عامين 1950 الى غاية 1985 ) حيث كانت من ازهى وابهى المراحل الثقافية في تاريخنا الحديث وذلك لان الثقافة كانت قامة مهمة ولها دور في تشكيل الوعي الوطني الجامع حيث كان الاهتمام بالكتاب من حيث طبعه ونشره بأسعار زهيده وكذلك تشجيع الكتاب والادباء والفنانين من خلال الجوائز التقديرية وغيرها من الاشياء التي خلقت حالة من النهوض الفكري وشكلت في حينها سدا منيعا امام كل افكار التعصب والشرذمة التي نراها اليوم كسكين جزار يعمل في جسد هذه الامة . نبرة التشاؤم المسها عالية في حديثك، لماذا؟ لست متشائما ولكني اطرح قراءة لما يجري في المنطقة فما نراه اليوم من افكار غريبة ودعاوى اشد غرابة وفتاوى لا نعرف اين مصدرها او من اين اتت ، فلا بد ان تكون على درجة من القلق والتوتر وربما الانكفاء لحين استيعاب ما يجري ومحاولة فهم ما يدور ، لكني سأظل على قناعتي بأن للتاريخ دورة ولابد ان تأخذ وقتها ويجب فهم مخرجاتها ان اردنا حقا الخروج من هذا الواقع المرير، فكما اشرت من خلال اجابتي عن السؤال السابق الى فترة ذهبية عشناها في العصر الحديث يمكن ان تعود تلك الحقبة الزاهية بقليل من الجهد والمسؤولية نحو انشاء ثقافة وطنية جامعة تعزز دور الكاتب والكتاب وتقف في وجه كل الدعاوى المغرضة فالأمر ليس بالمستحيل لكنه يحتاج الى قليل من الجهد والنوايا الصادقة كيف يمضى الاديب والقاص محمد نصار يومه..؟ رغم بساطة هذا السؤال الا ان الإجابة عليه تعد صعبة في هذه الاجواء الروتينية القاتلة التي نعيشها في غزة حيث اننا نكاد نكون سجناء في سجن ربما يكون الاكبر في العالم . احاول جاهدا ان استغل هذا الفراغ المشحون بكل دواعي القلق والتوتر في اشياء ربما تخرجني الى فضاءات خارج اللحظة التي نعيش، فأقرأ احيانا .. اتابع صفحتي على الفيس بوك ان تواجدت الكهرباء التي تأتينا كاللص يتسلل في لحظة ويختفي . واحيانا اطل على حديقتي افلح احيانا، وانكش احيانا واناغي الزرع احيانا اخرى. الأديب محمد نصار يقيم في بيت حنون مسقط رأسه مدينة رفح من مواليد عام 1960م . تخرج من جامعة القدس المفتوحة 1996 بغزة تخصص لغة عربية وعلومها عضو الأمانة العامة في اتحاد الكتاب والادباء الفلسطينيين وامين سر. موظف في وزارة الثقافة
0 التعليقات:
إرسال تعليق